ابن بسام
19
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
بسلطانهما ، ولا يعبئان بما آدها من كلفهما ، ولا يرفقان لمجهود ما بلغ من عنفهما ، يقلدانهم شرار العمّال ، ويستزيدان عليهم في الوظائف الثقال ، مع الأيام والليال ، حتى لغدا كثير منهم يلبسون الجلود والحصر ، ويأكلون البقل والحشيش ، وربما أبرّ [ 1 ] ذلك على القوم بعد القوم منهم فلا يقاومونه إلّا بالجلاء عن مثواهم ، والتخلي عن قراهم ، فلا يأسف هذان العلجان ومن تلاهما ، ولا يخافان من مواقعة مثله لمن أقام بعدهم ، بل يتخذان ما جلا أهله من تلك القرى ضياعا مستخلصة ، فإذا [ 2 ] وقع عليها اسم كبير منهم / راجها أهلها راضين منه بالاعتمال له بالسهمان [ 3 ] ، راجين في دفاعه من الحدثان . على هذه السبيل سلك [ 4 ] أكثر الثوار المنتزين على أكنافها ، الثائرين بأطرافها ، بعد افتراق سلطان الجماعة بقرطبة آخر دولة بني عامر . وكان موت مبارك هذا هنالك أنه ركب يوما من قصر بلنسية يبغي الخروج للنزهة خارج البلد على فرس ورد مطهّم قلق الركاب ، وأهل بلنسية قد ضجروا لمال [ 5 ] افترضه عليهم ، فقال لهم يومئذ هذا العلج مبارك [ 6 ] : اللهم إن كنت لا أريد إنفاقه فيما يعمّ المسلمين نفعه فلا تؤخر عقوبتي يومي هذا ؛ وركب إثر ذلك [ 4 ب ] فلما أتى القنطرة ، وكانت يومئذ من خشب [ 7 ] ، خرجت رجل فرسه من حدها فرمى به أسفلها ، واعترضته خشبة نابية [ 8 ] من القنطرة شدخت وجهه ، وسقط لفيه ويديه ، وسقط الفرس عليه ، وكسر أعضاءه وفتق [ 9 ] بطنه ، ففاضت نفسه لوقته ، وأمن أهل البلد من مقته ، وكفاهم اللّه أمره ، فثاروا يومهم ذلك وانتهبوا قصره . ثم اتفقوا على تأمير لبيب الصقلبي ، فأحدث أيضا فيهم أحداثا مقتوه بها ، فلاذ بالطاغية ريمنده أمير الفرنجة ببرشلونة يومئذ ، واستبلغ في ألطافه حتى صيّر نفسه كبعض
--> [ 1 ] م : أثر . [ 2 ] هنا تبدأ النسخة ( ب ) . [ 3 ] ط د س والبيان : بالسهم . [ 4 ] ط د س : سلف . [ 5 ] ط د س والبيان : يستغيثون في أن يرفقهم ( يرفق لهم ) . [ 6 ] هذا العلج مبارك ؛ سقط من ط د س . [ 7 ] ب : حطب . [ 8 ] ط س : ثانية ؛ البيان والإحاطة : ناتئة . [ 9 ] م ب : ورتق .